Երկուշաբթի, 20. 05. 2024

spot_img

مذابح أضنة أبريل 1909 وأثرها في مصر

بقلم : الدكتور محمد رفعت الإمام

تعد المشكلة الأرمنية من أهم مفردات المسألة الشرقية . ولكن منذ تدويلها بموجب المادة 61 من معاهدة برلين 1887 ، عاني الأرمن في الفضاء العثماني كثيرا من المصاعب وعمليات التطهير الدمويةرغموجود رقابة دولية نظرية بواسطة بريطانيا وفرنسا وروسيا . وبمرور الوقت ، حلت النكبات بالأرمن العثمانيين إثر توازنات دبلوماسية المحافل الدولية وتعنتات النظام العثماني وتخبطات المنظمات السياسية الأرمنية .

وتجدر الإشارة إلي أن حصاد مذابح أضنه أبريل 1909 يدخل ضمن حلقات تصفية الأرمن في الفضاء العثماني . ولعل السؤال الذي يطرح نفسه في الابتداء: ما هو السياق السياسي والمشهد الفكري اللذان أفرزا معا مذابح أضنه ؟

فيما يتعلق بالسياق السياسي ، تدهورت في منتصف العقد الأول من القرن العشرين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية العثمانية وأنذر الموقف الدولي بمزيد من الهموم للدولة العثمانية . ولذا تخوف الرأي العام العثماني من احتمال تمزيق دولتهم ، ووجد المنتمون إلي حركة » تركيا الفتاة» حتمية السعي فعليا لإعادة العمل بالدستور والحيلولة دون تمزيق الدولة .

وهكذا ، تحرك الجيش من مقدونيا تحت قيادة ط الاتحاد والترقي» إلي الأستانة وأجبروا السلطان عبد الحميد الثاني علي إعلان الحكومة الدستورية في 24 يولية 1908 . وعندئذ ، احتفل الأرمن والأتراك وسائر المنظومة العثمانية بنهاية استبداد عبد الحميد وتطلعوا إلي عصر جديد من الديمقراطية . بيد أن شهر العسل قد انتهي سريعا عندما ضمت النمسا البوسنة والهرسك ، وأعلنت كريت اتحادها مع اليونان ، وأعلنت بلغاريا استقلالها.

أما المشهد الفكري ، ففي أعقاب الانقلاب العثماني ( 1908) تغلغل في الدولة العثمانية خليط من الأفكار الجديدة : التجديد الإسلامي ، القومية ، الشعبوية، التضامنية، الاشتراكية. بيد أن تيارين كبيرين قد انبثقا في طوفان هذه الأفكار واستقطبا حولهما مجمل الحياة الفكرية . إذ وقف التيار الإسلامي علي طرف المرحة الأيديولوجية ، بينما وقف التيار التغريبي علي طرفها الآخر.

وبين هذين التيارين ، نشأت النزعة القومية التركية علي أيدي جماعة » الاتحاد والتقي» التي راهنت علي إنهاء الاتجاهات الخصوصية والاستقلالية والانفصالية بين صفوف قوميات الدولة سواء كانت مسلمة أ و مسيحية . ومن ثم، لابد ان يكون الجميع مواطنين عثمانيين سواسية أمام القانون، ولا يوجد بعد يونانيون وعرب وأكراد وأرمن.

وإزاء هذه السياسة ، عارض حزب» الأحرار العثمانيين»- الذي أسسه الأمير صباح الدين في 14 سبتمبر 1908 – برنامج الاتحاديين واتهموهم بفرض ديكتاتورية عسكرية وتسييس الجيش والتخلي عن المثل الأعلي للكيان العثماني لحساب الأتراك وحدهم.

وانطلق برنامج الأحرار من فكرة » لامركزية الحكم» ، ولذا أيدته العناصر غير التركية في البرلمان العثماني من عرب وأكراد وأمن وألبان ويونانيين . وفي هذا المضمار، قام حزب » الأحرار » العثماني » وحزبا » الطاشناق» و » الهنشاك» الأرمنيين بتشويه شكل الاتحاديين لدي الرأي العام عبر الصحافة.

وفي هذه الظروف، قامت حركة 13 أبريل ( 31 مارس) الانقلابية المضادة كثمرة لنشاط حزبي الأحرار والطاشناق. عندئذ حاول عبد الحميد استغلالها للثار لنفسه ونادي بتطبيق الشريعة الإسلامية ، وحل الأحرار محل الاتحاديين، ووقعت عدة أحداث عنيفة ودامية في الأستانة.

في ظل هذه التحولات السياسية الانقلابية وتلك الفورانات الفكرية المتداخلة ، وقعت أحداث أضنه الدموية منتصف أبريل 1909 .

تقع أضنه في إقليم قيليقية جنوب الأناضول . وتكون هيكلها السكاني في مطلع عام 1909 من : 42% أتراك ، 36% أرمن ، 12% عرب، 10% يونانيين . وقد مارس معظمهم الزراعة وعاشوا لقرون طويلة معا في سلام ووئام. واجتهد أتراك أضنه وأرمنها إبان مذابح 1894-1896 علي ألا تصيبهم حمي الفتن والقلاقل. وقد نجحوا بامتياز في اجتياز هذه الأزمة. ولكن الوضع قد تغير إلي النقيض تماما بعد مرور 15 عاما .

منذ مطلع عام 1909 ثم إشاعة روجها الاتحاديون الناقمون علي الأرمن بين العوام في أضنه خصوصا وفي قيليقية عموما مفادها أن الأرمن يستعدون لثورة مسلحة بغية القضاء علي الأتراك وإقامة مملكة أرمينية بمساعدة الأجانب، وهو الأمر الذي أهاج الأهالي وحثهم علي قتال الأرمن. وإزاء هذه الصورة المريبة ، أصيب الأرمن بالهلع من هجمات الجموع البشرية المسلحة بنفس قدر هلعهم من حركات وسلوكيات الإدارة الحاكمة.

وهكذا، بات الأتراك والأرمن في أضنه علي صفيح ساخن حتي وقع انقلاب 13 أبريل آنف الذكر وترامت أخبار ثورة الأستانة ، فأثارت النفوس بشدة في أضنه وغيرها من فضاء قيليقية . وفي اليوم التالي مباشرة ، 14 أبريل ن هاجم الأتراك حي الأرمن في أضنه وأعملوا فيه النهب والسلب والقتل لمدة ثلاثة أيام كاملة. وبفضل وساطة الإرسالية الأمريكية هناك، عقد الطرفان هدنة في 17 أبريل 1909 وانتهت الفتنة وعاد الجميع إلي ممارسة حياتهم اليومية .
وفي 24 أبريل 1909 ، نجد الجيش المقدوني في حصار الأستانة وهزيمة الأحرار، وإعادة الاتحاديين إلي قيادة الحكومة العثمانية . وفي نفس اليوم، وصلت قوات عسكرية اتحادية إلي أضنه وتوزعت علي المواقع الحيوية في حي الأرمن. وفي اليوم التالي مباشرة ، هاجمت القوات الاتحادية النظامية الأرمن دونما أي سبب ، وتفرق الأرمن بين فريق يقاوم بالأسلحة ، وثان لاذ إلي الكنائس الوطنية ، وثالث هرع إلي المؤسسات الأجنبية والإرساليات التبشيرية الكاثوليكية والبروتستانتية.

وفي الواقع لم ينس الاتحاديون وقفة الأرمن بجوار خصومهم الأحرار، ولذا صبوا جم غضبهم عليهم بمجرد الاستيلاء علي السلطة في الأستانة. واستمر القتال الاتحادي- وما صاحبه من نهب وسلب وحرق- طوال يومي 25 و26 أبريل . وفي 27 أبريل نجحت الإرساليات الأجنبية بمؤازرة أساطيل بريطانيا وألمانيا – المرابطة في مرسين- في إنقاذ ما تبقي من أرمن أضنة وإعادة الحياة شكلا إلي مجاريها الطبيعية . وفي نفس اليوم أيضا أعلن البرلمان العثماني خلع عبد الحميد ونفيه إلي سالونيك وإحلال أخيه محمد رشاد الخامس محله سلطانا وخليفة.

وهكذا ، أسدل الستار علي مذابح أضنة التي وصفها القائد العثماني جمال باشا في مذكراته بأنها من » أسوأ الفجائع التي حلت بالدولة العثمانية في العهد الدستوري » . ولم تقتصر هذه المذابح علي ولاية أضنه فقط، ولكنها امتدت إلي ولاية مرعش وإلي إقليم أنطاكية ، وتكاد تتفق الأرقام المتاحة علي خسائر قيليقية هي : موت 28103 نسمة ، تدمير 6460 منزل، 595 محل و265 مزرعة و43 فندقا ومصنعا و34 كنيسة و19 مدرسة ، تهجير 7903 طفل أرمني.

ورغم الغموض حول مدبري ومرتكبي مذابح أضنه ، فعلي الأرجح أنها بدأت علي أيدي أنصار السلطان عبد الحميد الثاني الساعين إلي تطبيق الشريعة الإسلامية ، وتواصلت علي أيدي الاتحاديين الراغبين في الثأر لأنفسهم من الأرمن جراء مؤازرة خصومهم الأحرار. وقد ساعدهم في ذلك سوء وضعف إدارة أضنه، والنشاط السياسي لحزبي الطاشناق والهنشاك ضد الجمعيات السياسية التركية هناك ، واعتبار مطران أضنه الهنشاكي موشيغ نفسه زعيما دينيا وسياسيا لأرم أضنه، وإعلانه أمام الملأ أن الوقت قد حان كي ينفض الأرمن نير الأتراك.

علي أية حال ، دشنت مذابح أضنه مناخا مرتابا ومتوجسا للأرمن في الفضاء العثماني ، وهو ما تبلور فعليا بعد مرور ست سنوات عندما اقترف النظام الاتحادي في الدولة العثمانية أول إبادة جنس بشري في القرن العشرين.

وفي مذابح أضنه أيضا أثار النظام العثماني الأتراك والأكراد والعرب باسم الدين الإسلامي ضد الأرمن مستغلين جهل العوام بأحكام دينهم الصحيحة . وهنا، طرح الغربيون رسميا وشعبيا مذابح أضنه أمام الرأي العام علي أنها صراع إسلام ضد المسيحية .

ولعل هذه الملاحظة الأخيرة تنقلنا إلي استعراض بعض ردود فعل مذابح أضنه في مصر.

رددت صحافة الجماعة المسيحية في مصر مقولات الغرب بان مذابح أضنه تمثل قمة همجية الإسلام ضد مدنية المسيحية من قبيل مجلة » المرشد» لسان حال الإرسالية الأمريكية في الإسكندرية وغيرها . ولهذا، تحديدا ، رفض المجتمع المصري المسلم صياغة مذابح أضنه علي هذا النحو.

علي المستوي الرسمي ، أصدر الأزهر الشريف فتوي بخصوص ضحايا أضنة ، أوضحت ان الإسلام بريء من إهدار دم المسيحيين الأبرياء لأن تعاليمه السمحة تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر . وتدحض الفتوى الأزهرية فتاوي دار الإسلام في الأستانة وأضنه التي أسهمت في إراقة دماء المسيحيين الأبرياء. هذا ، وقد نشرت هذه الفتوى في جميع الصحف اليومية الكبري الصادرة في مصر.

علي مستوي الرأي العام، تبارت الصحافة المصرية في تقديم المشهد الأكمل بشأن مذابح أضنه. وبعثت » الأهرام» و» المقطم» و» المحروسة و» القاهرة » و» الجريدة» و» الأفكار» و» المنار» بمراسلين خصوصيين إلي أضنه لاستجلاء الحقيقة حول مذابحها . ونشر المراسلون نتائج تحقيقاتهم في مقالات تلو الأخرى، واجمعوا علي ان الإسلام بريء منها في حد ذاته ، ولكن النظام العثماني قد أساء استغلاله لدي العوام. كما اجمعوا علي أن المذابح نتجت عن التقلبات السياسية والتوترات الاجتماعية والاقتصادية في أضنه.

وفي هذا الصدد ،نكتفي بما أورده المفكر الإسلامي الشيخ محمد رشيد رضا في مجلته الشهيرة » المنار». إذ يقول بعد ان فضل ثورة الأستانة : » وقد ولدت الثورة بالعاصمة فتنة في ولاية أضنه، فهب الترك لذبح الأرمن وقاموا بعمل يبرأ الإسلام منه ومن فاعليه، ولكنه لا يسلم معه من طعن الأمم. فبهمجية هؤلاء الأقوام صار المسلمون حجة علي الإسلام» .

وعلي المستوي الثقافي ، ظهرت في القاهرة الترجمة العربية لكتاب » الهلال والصليب» للكاتب العثماني خليل خالد أفندي أستاذ اللغة التركية في جامعة كامبريدج،والذي ألفه باللغة الإنجليزية بغية تقريب مفاهيم الإسلام إلي العقل الجمعي المسيحي، وأملا في التقارب بين العالمين المسيحي والإسلامي ، والتأكيد علي ان الإسلام دين المدنية الفاضلة والإنسانية الصادقة.

www.khabararmani.com

spot_img

ՆՄԱՆ ՆԻՒԹԵՐ

spot_img
spot_img

ՎԵՐՋԻՆ ՅԱՒԵԼՈՒՄՆԵՐ

spot_img

Զօրակցիր Զարթօնք Օրաթերթին